عبد الله بن محمد المالكي
369
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
قال عيسى بن مسكين : وأتى قوم من الأندلسيين قد كتبوا « المدونة » وأرادوا أن يسمعوها من سحنون ، فقال لهم : « إني مشغول » فقال له شاب منهم : « إنا قد كتبناها فما نصنع بها ؟ لئن لم تسمعناها لنطرحنها « 192 » في هذا الغدير ! » [ وأشار ] « 193 » لغدير ماء بين يديه ، فتغير سحنون وعض بنانه من الغيظ ثم قام فمضى إلى أزواجه « 194 » وهي تحرث ، ثم رجع إليهم فقال : « إني لو احتجت إليكم في مثل هذه - ورفع شيئا من الأرض - ما سوى علمي عندكم شيئا » ، ثم أسمعهم . وقال سليمان بن سالم : كنت قاعدا عند سحنون حتى أتاه رجل يقال له حسان بن شاكر ، فسلم عليه ثم قال : « أين غبت يا حسان ؟ » فقال : « في البادية ، أصلحك اللّه » فقال له : « إن للّه تعالى نبيا من البادية » . ثم قال : « ما حال مسجدكم ؟ » فقال له : « كما تعرف البادية » فقال له سحنون : « وإني لأظنه تفتل فيه الحبال » « 195 » فقال له : « نعم ، فما أصنع بهم ؟ » فتبسم سحنون ثم قال : « يا شيخ ، ابن سبعين سنة ولا تعرف ما تصنع بهم ؟ أنا أخبرك ما تصنع بهم : تأخذ الحبل « 196 » من يده فتثنيه على أربعة وتضرب به رأسه وتخرجه من المسجد ، فإن المساجد لم تبن لفتل [ الحبال ] « 197 » ، ثم قال له : « ما حال زرعكم ؟ » فقال له : « جيد ، أصلحك اللّه ، وأرجو أن تكون سنة مباركة » . فقال سحنون : « آمين ، جعلها اللّه سنة مباركة ! » وكرر ذلك ثلاثا . ثم قال : « يا حسان ، تدري ما السنة المباركة ؟ [ قال : لا . قال : هي ] « 198 » السنة التي يسلم فيها للناس دينهم وإن كان نيلهم من الدنيا قليلا ، والسنة التي لا يسلم للناس فيها دينهم ، وإن كان نيلهم من الدنيا كثيرا ، فتلك سنة مشئومة عليهم « 199 » . حدث الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمد / بن خلف الفقيه القابسي ، رضي اللّه
--> ( 192 ) في الأصل : لنطرحها . ( 193 ) زيادة للسياق . ( 194 ) يقصد ثيرانه . ( 195 ) في الأصل : الحبل . ( 196 ) في الأصل : الحبال . ( 197 ) زيادة للسياق . ( 198 ) زيادة من ( م ) . ( 199 ) عبارة ( م ) : فليست بالمباركة .